الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



أخبار وتقــارير

الثلاثاء - 09 فبراير 2016 - الساعة 10:31 ص

كتب/ د.معتز سلامة

على الرغم من توافر كل الأسباب والدوافع المبررة لخوض التحالف العربى بقيادة السعودية الحرب فى اليمن، فقد عجز حتى الآن عن توفير الشروط اللازمة للانتصار فيها، والآن لا تتوافر الشروط اللازمة لتسويتها.ففى 2 يناير 2016، أعلن التحالف انتهاء الهدنة ووقف اطلاق النار الذى كان قد أعلن فى منتصف ديسمبر، وذلك بسبب �تكرر اعتداءات� الحوثيين و�إطلاق الصواريخ باتجاه المدن السعودية�، على حد ما ورد بنص بيان التحالف، وهو ما أفاد بأن الحرب مرشحة لجولة جديدة من المواجهات التى قد تطول؛ ولقد انصب الهدف الرئيسى للتحالف منذ بدء �عاصفة الحزم� فى 26 مارس 2015، على توفير الظروف المهيئة للتسوية السلمية، ولكن النتيجة بعد 10 شهور، كانت استمرار الحرب، واستمرار عناد الحوثيين وصالح، الذى هدد مؤخرا بأن الحرب لم تبدأ بعد.

جوانب أربعة

ومنذ الأسابيع الأولى للحرب حدد الحوثيون وأنصار صالح استراتيجيتهم فى تحمل الضربات، والصبر لأجل جذب التعاطف الدولي، وتعميق مشاعر البؤس والشقاء بين اليمنيين فى الداخل فيتجهوا للاصطفاف خلفهم، فلم يعلن الحوثيون رفضهم مساعى التسوية، وتجاوبوا مع محاولات الوساطة من جانب سلطنة عُمان، وذهبوا إلى جنيف 1 و2، لكنهم لم يسعوا على إنجاحها فعليا، ولم يبدوا حماسة فى الوصول إلى حل للأزمة عبر المفاوضات. ولقد ضغطوا على التحالف بتوظيف عامل الوقت، انطلاقا من أربعة جوانب أساسية، على النحو الآتي:

1- الخسائر البشرية والحرج السياسي: فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ عدد ضحايا النزاع منذ بدء الحرب وحتى 29 سبتمبر الماضى 5248 قتيلا، و26191 مصابا، و1.439.118 نازحا داخلياً، و250.000 نازحا بالخارج، فضلا عما لحق البنية التحتية من خسائر. وهذه التكلفة البشرية والمادية للصراع هى أكثر ما يعول عليه الحوثي- صالح فى الضغط على دول التحالف. لذلك فأثناء فترة الهدنة التى دامت خلال النصف الثانى من ديسمبر الماضي، كان الحوثيون وأنصار صالح هم الأحرص على انتهاكها، فتوسعت ضرباتهم الهجومية والصاورخية على جنوب المملكة، وبدوا كمن يسعون للتحرش بالسعودية لأجل إنهاء وقف إطلاق النار. وكل ذلك بهدف أساسى وهو الضغط على دول التحالف، ودفعها إلى استئناف عمليات عسكرية لم تعد مرغوبة، إذ تشير المؤشرات إلى رغبة دول التحالف فى تهدئة طويلة يجرى خلالها تجميد جبهات الصراع، دون إعلان انتهاء الحرب بالضرورة، حتى يتم الوصول إلى تسوية سلمية.

2- ضرب استقرار عدن والمناطق المحررة، اتجهت قوات الحوثى - صالح إلى استئناف عملياتها المضادة فى المدن والمناطق التى جرى إعلان تحريرها، بهدف إفقاد التحالف ثمار أى نصر عسكري، وفرض حالة من العجز بإنهاك القوات فى حرب طويلة. ولقد اتضحت آثار ذلك من مؤشرات ودلائل عديدة، فقد ركز الحوثى – صالح على فرض وضع عدم الاستقرار فى الجنوب، وهو ما تبين من ضرب مقر الرئاسة اليمنية فى عدن أكثر من مرة، وإظهار عجز التحالف عن ضمان أمن الرئيس هادى منصور ورئيس الوزراء خالد بحاح، وهو ما برز فى الإعلان أكثر من مرة عن عودة كل منهما فى أوقات مختلفة إلى عدن أو مأرب، ثم عودتهما تاليا إلى المملكة، بعد وقوع حوادث تفجير فى محيط القصر الرئاسى (على نحو ما حدث فى أكتوبر 2015، وآخر يناير 2016). ولقد شكلت قضية الاغتيالات شبه اليومية للقيادات الأمنية والكوادر القضائية البارزة بمحافظة عدن هاجسا كبيرا للحكومة والسلطة المحلية بالعاصمة المؤقتة، ورغم إعلان حالة الطوارئ فى المدينة من قبل الجهات الأمنية، وتمديدها شهرا إضافيا، إلا أن الاغتيالات والسيارات المفخخة والعبوات الناسفة أضحت منحى يؤرق السلطة المحلية بالمدينة.

3- الحرب النفسية بشأن معركة صنعاء، يدرك صالح والحوثى أنه لا إمكان للحديث عن انتصار يحقق أهداف التحالف قبل خوض معركة صنعاء، ولذلك أمضت قوات التحالف الأشهر دون الاقتراب البرى من العاصمة، وعلى الأجدر أن قيادة التحالف لم يدخل فى حسبانها أنها قد تضطر لخوض معركة فى صنعاء، حيث أمضت فترة الحرب فى معارك الجنوب انتظارا لأن يدفع تحرير المناطق والمحافظات تباعا، إلى قبول الحوثى وصالح بتسوية تتحاشى هذه المعركة التى يتوقع أن توقع خسائر هائلة بالجميع، فضلا عن إضرارها بفرص التسوية السلمية تاليا، ونظرا لمعرفة الأخيرين بذلك، فقد تحملا ضربات طائرات التحالف لعشرة شهور انتظارا لإجبارهم على خوض هذه المعركة، ومن ثم عرقلة خيارهم العسكرى بالوقوف على أبواب صنعاء دون قدرة على التحرك أو القرار، وهو الأمر الذى إما ينتهى باندفاعة عسكرية غير محسوبة تلحق خسائر شديدة بالتحالف، أو بهزيمة سياسية تلحق بالغ الضرر بمكانة دوله.

4- شن الهجمات المضادة على الجنوب السعودي: لم تتراجع هجمات الحوثيين على جنوب المملكة خصوصا فى مناطق نجران وجيزان وعسير، ولقد استمرت الهجمات خلال فترة الهدنة فى ديسمبر الماضي، وكان الهدف الأساسى للحوثيين فرض واقع الاضطراب وعدم الاستقرار فى الجنوب، وجعل هذه الجبهة ساحة مفتوحة للحرب على نحو يبعد المواجهة عن صعدة (مركز الحوثيين فى شمال اليمن). وتزداد شهية الحوثيين وصالح لاستمرار الحرب فى ظل تقديرهم بوصول الضربات الجوية إلى منتهاها، مع الرغبة فى زيادة الضغط المعنوى والسياسى على دول التحالف بعد تعثرها فى تحقيق بعض الأهداف، وهو ما يتبدى من: خفض المشاركة الإماراتية، ورغبة التحالف فى مواصلة الهدنة ومسار التفاوض لولا الضغوط الميدانية للحوثي، وصعوبات الحرب البرية، وتلاشى الخيارات الآمنة أمام التحالف بما فيها خيار الاقتصار على تحرير الجنوب، فى ظل واقع عدم الاستقرار فى عدن. هكذا تفتقد تسوية الأزمة لأغلب العناصر المطلوبة لنجاحها.

معركة صفرية

وبذلك يتضح أن السبب الرئيسى الذى يرجح إطالة أمد الحرب هو تحول هدف الحوثيين الأساسى من تفادى الأخطار إلى الرغبة فى إلحاق الأذى بالخصم وجره إلى معركة طويلة لا يريدها، واستشعار الحوثى صالح بأنهم إزاء مرحلة قطف الثمار، ما يدفعهم إلى مزيد من التشدد. وهنا يتدخل العامل الشخصى والمركب القبلى الخاص برغبات الانتقام والثأر. وفى ظل هذه الأجواء، تتجه الحرب لأن تكون أشبه بمعركة صفرية، تتراجع فيها إمكانات قبول أطرافها بالحلول الوسط، وهى الحلول التى تحفز على التسويات فى كل الحروب، ويخلف استمرار الضربات المتبادلة خسائر وكوارث تغذى دورة الحرب. ويستغل الحوثي- صالح إطالة المواجهة فى إعادة كسب الاعتراف الدولي، فعلى الرغم من صدور قرارات دولية خاصة بالأزمة مثل القرار 2216 الصادر من مجلس الأمن الدولى تحت الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية، فقد تم التعامل معه بقفازات ناعمة، وبدت الأمم المتحدة كمن اندفع إلى موقف دون أن يحسبه جيدا، حيث أعطت لدول التحالف ما أرادت (قرار دولى به كل عناصر الإلزام)، لكن بالمقابل لم توفر أدوات دولية لتنفيذه، وهو ما يعنى أن تعتمد دول التحالف على قدراتها الخاصة.

هكذا، تتجه الحرب إلى الاستمرار لفترة أطول، إذا لم تتدخل عوامل مفاجئة. وبالمقابل لا يبدو أن هناك خسائر كبيرة أو مخاطر يتعرض لها تحالف الحوثي- صالح من وراء استمرار الوضع الراهن. وعلى الأرجح سوف يسعى الحوثيون وصالح لاستغلال هذا الزخم باستثمار المحفزات الطائفية، وجر دول التحالف إلى جبهات حرب أوسع مع كيانات المحور الشيعي، وهو ما يهدد بوضع الصراع فى سياق صراع طائفى إقليمى أشمل.

سيناريوهات المستقبل

وفقا لذلك، يمكن تحديد مستقبل الحرب فى اليمن على النحو التالي:

(1) الانهيار المفاجئ لجبهة الحوثى - صالح: قد تسعى قوات التحالف إلى تكثيف عملياتها فى الفترة المقبلة لأجل الإنهاء السريع للحرب، وأن تسعى إلى كسب وتجنيد شركاء عسكريين وقبليين جددا ومن دول خارجية أو قوى وجماعات داخل اليمن، للمساعدة على حسم الموقف، ودفع قواتها العسكرية نحو صنعاء. وهذا السيناريو إذا لم يتحقق من خلال إحداث تشققات فى جبهة ثنائى الحوثي- صالح وإذا لم يتوافر له مدد عسكرى خلفى عربى فى سياق القوات العربية المشتركة، فإنه قد يكرر على نحو مصغر تجربة الحرب برمتها منذ بدايتها، فيحدث انهيار سريع فى جبهة الثنائى على نحو مرحلي، بعده يستأنف أنصارهما العمليات العسكرية لضرب استقرار المناطق المحررة، على نحو لا يمكن قوات التحالف من فرض سيطرتها على الدولة اليمنية.

(2) التسليم بتحرير منقوص / نصف تحرير: هذا الخيار سيكون هو سيناريو الأمر واقع، إذا فشلت محاولات التحالف للاقتحام العسكرى لصنعاء، وإذا ازدادات خسائرهم البشرية، وإذا تعذر تحقيق الانهيار السريع لجبهة الحوثى – صالح، وإذا جوبهوا بمقاومة عنيفة فى المناطق التى أعلنوا تحريرها فى الجنوب، وإذا استمرت اختراقات الحوثيين لجنوب المملكة. وفى ظل هذا السيناريو فإن التحالف قد يقتصر على تأكيد إعلان تحرير الجنوب وتعزيز الدولة الجنوبية، وقد يسعى التحالف للسيطرة على مناطق محددة فى صنعاء والشمال لتحصين دفاعاته عن الجنوب.

(3) حرب طويلة وممتدة: تتجه الحرب لأن تطول، مع الاندفاع بالخصائص المعقدة والمركبة للشخصية القبلية، ونقص الخبرات، والضغوط الداخلية على القرارات السياسية، وكلها عوامل تتجه بالحرب إلى أن تأخذ شكل حرب استنزاف طويلة. وهذا السيناريو يستنزف الطاقات العربية ويقلص قدرات التحالف العربى على مواجهة تحديات مقبلة فى سوريا وليبيا، على نحو قد يجعل من اليمن أول وآخر عمل عسكرى عربى جماعي.

خياران مطروحان

وفى سياق ما تقدم، يبدو المخرج الرئيسى للأزمة متمثلا فى خيارين أساسيين: أولهما: ضرورة تجديد التفكير فى بناء تحالف عسكرى عربى (مشروع القوة العربية المشتركة أو قوة حفظ سلامة عربية)، باعتبار ذلك مطلبا ضروريا يمكن أن يلعب دورا كـ �قوة عسكرية ناعمة�، كخطوة أولى مطلوبة لمنع الاحتكاك بين طرفى الصراع، وهو أمر قد لا يتمكن الحوثى - صالح من رفضه، لأن هذه القوة لن تتدخل لمصلحة التحالف، وإنما سوف تستظل بشرعية الأمم المتحدة والجامعة العربية وتكون تحت إشرافها. أما الخيار الثانى فيتمثل فى ضرورة العمل على تفتيت التحالف القائم بين الحوثيين وأنصار صالح، وزعزعة هذا التحالف، وهو خيار مازال بالإمكان الإمساك به، وقد يكون فتح باب التعامل مع أنصار صالح خطيئة، لكنه - من منظور الواقع السياسي - �ميكيافيلية�، تفرضها ضرورات كسب الحرب.

الاهرام