الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



ثقافة وأدب

الإثنين - 20 مايو 2019 - الساعة 03:33 ص

كتب/ محمد عبدالسلام منصور

طلب مني المشاركة في احتفائية خاصة بحصول الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح على جائزة أمير الشعراء أحمد شوقي، بحديث عن اللغة الشعرية للمحتفى به، على ألا يتجاوز وقت الحديث خمس عشرة دقيقة؛ فتبسمتُ مرتبكاً، وقد ضعفت حيلتي، أمام هذا الطلب؛ بسبب أن الخاطر استعرض استعراضا خاطفا تاريخين:
أولهما: تاريخ هذه التجربة الحياتية اللافتة التي خاضها الشاعر أكثر من ستين عاما ينسجها بعقله وروحه، عبر الأيام، نضالا وطنيا، وإبداعا شعريا، ورؤى فكرية، ضمن ثورة دائمة على التخلف والاستبداد، ودعوة دؤوبة، إلى الحرية والتحديث، فكانت ثمرتها إنتاجه الغزير المتنوع هذا الذي بين أيدينا نقرؤه وستقرؤه الأجيال من بعدنا، فكرا عميقا وشعرا بديعا، يضيئان طريقنا نحو صنع الجديد وإبداع الأجد.
ابتدأت هذه التجربة الإبداعية، كما رصدها الشاعر عبد الله البردوني في كتابه «رحلة في الشعر اليمني» بقوله «عبد العزيز قديم العهد بالشعر ربما ترجع بداياته إلى 1958 فقد قرأت له قصائد عام 58 و 59، وكان يذيلها باسم مستعار هو (ابن الشاطئ).
الثاني: وهو تاريخ هذه الصداقة الحميمة التي جمعتني بشاعرنا التي طال بها الزمن مقرونة بصحبة يومية، كلاهما قامت على كثير من مشتركات الرؤى والمواقف، غير أن هموم اليمن، ظلت وما زالت قطبها ورحاها، واتخذت من قضايا الوطن العربي، بعدها التاريخي وهويتها الثقافية.
تراكمت خلال هذه الصداقة ـ الصحبة، معارفنا المتنوعة عبر قراءاتنا الخاصة والجماعية، المشفوعة بحوارات فكرية وأدبية عميقة، ومتابعة دائمة لآخر ما وصلت إليه البشرية، في مجالات الفكر، والعلم، والفن، مع استعراض لا ينقطع لمختلف الرؤى الإنسانية القديمة منها والحديثة، وكان الحظ الأوفر من هذا كله يدور في المجال الأدبي، بمختلف علومه وفنونه، وعلى رأسها فن الشعر وعلوم النقد.
غير أن هذا النشاط المعرفي ما كان له أن يتواصل عبر زمنه الممتد، بهذا الثراء والتنوع، لولا العمل الدؤوب الذي ظل يقدمه الشاعر الإنسان عبد العزيز المقالح، في سبيل انعقاد العديد من الندوات الأدبية والفكرية، والدراسات الأكاديمية، فضلا عما قام به من تحويل المقيل اليمني إلى صالون أدبي، صار يعرف لدى اليمنيين والعرب وغيرهم ، بــ(مقيل المقالح) وظل مفتوحا لكل المهتمين بقضايا الفكر والأدب، والفن، حضره وشارك فيه: شعراء، روائيون، نقاد، أكاديميون، سياسيون، مثقفون، ومسرحيون، بل أقيمت فيه مسرحيات، متناسبة مع حجم (زمنكانيته) ضمن ما سمي بــ»مسرح المقيل» وكان رواد المقيل ـ الصالون هؤلاء من الأخوة اليمنيين والعرب وغيرهم من جنسيات عديدة، فضلا عن أعضاء اتحادات الأدباء العربية والعالمية التي عقدت مؤتمراتها في اليمن.
صدفة كان لقائي الأول بالأستاذ عبد العزيز المقالح عام 1958 وأنا ضمن مجموعة من التلاميذ، تخرجنا، على التو، من مدارس صنعاء الابتدائية الأربع، التي كانت تسمى: الأيتام، الإرشاد، الإصلاح، ونصير. فألحقتنا وزارة التربية والتعليم بمدرسة الأيتام، في فصل تحضيري، انتظارا للموافقة على التحاقنا بالمدرسة المتوسطة (الإعدادية).
وذات صباح في بداية عامنا الدراسي أطل علينا شاب أنيق جاد الملامح، لا يزيد عمره عن الثانية والعشرين، ألقى تحية الصباح باسما؛ فتلفتت دهشتنا بعضها إلى بعض، حين أدركنا، أن هذا الصوت الهادئ الرصين، هو صوت ذلك الإذاعي الذي أحببنا برامجه الأدبية التي يبثها عبر إذاعة صنعاء، مصحوبة بأغانٍ للفنانة العربية الآسرة فيروز، وكنت أنا أكثر التلامذة اندهاشا، لأنني كنت أعرف هذا الشاب معرفة بصرية، وهو ذاهب آيب عبر حيِّنا (معمر) حاملا في يده كتابا، كما أنني قد عرفت اسمه معرفة سمعية من الإذاعة، لكن معرفتيَّ هاتين لم تجتمعا، حتى هذه اللحظة، لتدلان على شخص واحد، هو هذا الشاب العشريني الواقف أمامنا، عبد العزيز المقالح.
اتجه الشاب، بعد تحيته الصباحية الباسمة، إلى سبورة الفصل يرسم صورة حيوان رسما متقنا، ثم يكتب تحت الصورة اسم الحيوان، بالأحرف الإنكليزية، وبقدر ما انبهرنا بدقة الرسم، فوجئنا أنه سيعلمنا اللغة الإنكليزية، التي لم نعرف، منها حرفا، في دراستنا الابتدائية، فأخذتنا، هزة فرح فخورة بهذه القدرات المتعددة التي يمتلكها أستاذنا الجديد، كونه تربويا، ومذيعا، ورساما، فضلا عن معرفته لغة لم تطرق مسامعنا من قبل.
في سنوات المرحلة المتوسطة الأربع، 58 ـ 62، توثقت علاقة معظم الطلبة، بالأستاذين المقالح والكراز، وغيرهما من الأساتذة ذوي النزوع المتطلع إلى الثورة ضد تخلف اليمن عن ركب الحضارة المعاصر، نعم توثقت علاقة الأساتذة هؤلاء بمعظم الطلبة وبخاصة الميالين من الطلبة إلى القراءات المتنوعة، وعلى الأخص المهتمين بالشأن العام اليمني والعربي، المتفاعلين مع تلك الهمسات التي كانت تتسرب إلى صفوفنا، عن وجود نشاطات ثورية سرية بين مجموعة من الضباط اليمنيين حديثي التخرج من المدارس العسكرية التي فتحت أبوابها أواخر الخمسينيات، والتحق بها طلبة من الثانوية، والعلمية، والتحضيرية، وأن هناك علاقة بين قياداتهم وبعض المتعلمين المدنيين الساخطين على استمرار انغلاق اليمن وتخلفه، وقد أدى سريان هذه الهمسات، إلى انفتاح الأمل في نفوس طلبة المدارس؛ فاتجهت أنظارهم إلى بعض مدرسيهم الذين كانوا في أكثر من مناسبة، يعبرون عن سخطهم لمن يثقون به من الطلبة ذوي النزعات الثورية، وكان من بين هؤلاء الأساتذة عبد العزيز المقالح الذي بدأنا نعرف، في أواخر هذه السنوات، أنه شاعر مجيد.
في هذه المرحلة انخرط كثير من الطلبة في نقاشات سياسية، عن حركة الأحرار اليمنيين؛ وصاروا يتابعون قصائد الزبيري والموشكي والحضراني والبردوني، ومما عزز هذا الحس الثوري في صفوف الطلبة، أنه أتى، في سنوات المد القومي العربي، واندلاع الثورات العربية ضد الاستعمار، والأنظمة الملكية المتحالفة معه، وصار إعلامها يجهر بدعوة الشعب العربي إلى الثورة، وبخاصة إعلام مصر عبد الناصر، الذي خصص لليمن برنامجا في إذاعة صوت العرب. كانت نتيجة هذه الثقافة الثورية أن خرج طلاب المدارس قبل أشهر من ثورة السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول، في مظاهرة حاشدة انضم إليها المواطنون وصرنا جميعا ننادي بالثورة على الإمامة وإقامة النظام الجمهوري، فتم قمع المظاهرة بإطلاق النار على جموعها، فأصيب من أصيب، وتم اعتقال زعمائها من الطلبة وسجنهم وأغلقت المدارس كلها.
وفي اليوم المشهود، سمع الطلبة صوت أستاذهم المقالح، من بين أصوات المذيعين، الذين يعلنون اندلاع ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وقيام النظام الجمهوري، ومن يومها بدأت تتكشف أدوار الثائر عبد العزيز المقالح وعلاقاته بتنظيم الضباط الأحرار ومشاركته في كل الأعمال السياسية التحضيرية للثورة، ثم شهد الناس جميعا أدواره المهمة في الدفاع عنها والحض على حماية نظامها الجمهوري الوليد.
حين غادر صنعاء للدراسة في القاهرة، لم تنقطع أدواره الثورية حيث كرس نصوصه للدفاع عن الثورة، وأبرز مثل على هذا قصيدته الشهيرة الذكر التي شدت من عزائمنا ونحن ندافع عن صنعاء المحاصرة من قوى الظلام، وعنوان القصيدة الأبطال و(السبعون) ضمنها اعتزازه بالمدافعين عن صنعاء ومنها:

وددت لو كنت الطريق
يعبرون فوقه إلى الجبل
لو كنت صخرة تحمي صدورهم
من الأعداء
لو كنت لقمة
أو شربة من ماء
لو كنت غيمة تمر فوقهم
أو قطرة من طل
لو كنت واحدا منهم أموت
أو أقتل
أولئك المناضلين
أولئك المقاتلين
من زرعوا الشمس على سمائنا
وثبتوا النجوم والأقمار
وثبتوا النهار
على طريق (أيلول) العظيم
أشعلوا الشباب
أحرقوا الأعمار
صدوا جحافل القديم
أوقفوا مسير العارْ
فكانت الأعمدة النبيلة البيضاء
وكانت (السبعون)
أشرف أيام الخلود في ديارنا الخضراء
أخصب ما جادت به القرون
أنصع مولود لأرضنا الحنون
لأمنا صنعاء

وفي القاهرة، رغم أنه انخرط في دراسته الجامعية والعليا، لكنه وزع أوقاته بدقة ماهرة بين الدراسة الأكاديمية، والكتابات الشعرية، والنقدية، والكتابات المتواصلة، الخاصة بالشؤون الوطنية، وحضور الندوات، سواء تلك التي تنعقد في منزله، ويحضرها، شعراء وكتاب يمنيون، وعرب، أو التي ينتقل، عبر المواصلات العامة، إلى مكان انعقادها مهما بعد عنه، أما منزله فقد صار مزارا لكثير من اليمنيين والأدباء العرب، وقد حضرت معه كثيرا من تلك الندوات، كما التقينا عدة مرات نقرأ في مكتبة الآداب في جامعة القاهرة، التي كان يقضي فيها الساعات الطوال، فأدهشتني طاقته التي لا تكل ولا تمل في مواصلة القراءة والكتابة، كما بهرتني علاقاته الواسعة، التي أقامها، على وجه التقريب، مع كل المهتمين، بشؤون الفكر والأدب وفن الشعر، وهو مع طول إقامته في القاهرة ظل متمسكا، برؤاه الفكرية الداعية إلى الحرية والتقدم والثورة ضد الاستبداد ومقاومة الاحتلال، ورفض التطبيع مع المغتصب الإسرائيلي، الأمر الذي اضطره، بسبب هذه المواقف الثابتة، في زمن التطبيع أن يغادر القاهرة عائدا إلى صنعاء التي طال حنينه إليها، فكان له في ذلك وللوطن كل الخير.
وأكبر دليل على هذا، مجموعة الأنشطة الأكاديمية التي أحياها أثناء رئاسته لجامعة صنعاء، والندوات والمهرجانات التي أقامتها الجامعة تحت رعايته وأحضر إليها أهم المفكرين والشعراء من الوطن العربي والعالم الأمر الذي أكسب اليمن سمعة ثقافية طيبة، فضلا عن مجموعة الكليات التي عمل على افتتاحها في كثير من مناطق اليمن وصارت الآن جامعات متكاملة، تستقبل عشرات الآلاف من خريجي الثانوية الراغبين في إكمال دراساتهم الجامعية والعليا، هذا كله وما انقطع عن إيمانه باستمرار الثورة على التخلف والفساد ظهر ذلك في تأييده لثورة 2011 الشبابية ثم نشاطه السياسي التصالحي قبل وبعد نشوب الحرب.