الاخبار الاكثر قراءة خلال 24 ساعة



عرب وعالم

الأربعاء - 22 مايو 2019 - الساعة 11:30 م

السياسة الكويتية- أحمد عبد العزيز الجارالله


* بداية أيَّدنا ثورتكم باعتبارها كما صوَّرتم للعالم ثورة شعب على نظام ظالم لكنكم بدلتم ظلماً بظلم أشد ومَذْهَبْتُم الدولة واعتديتم على دول الإقليم تحت شعار تصدير الثورة وأطلقتم وحوش الميليشيات والخلايا الإرهابية على أشكالها

* ولغتُم بدم اللبنانيين وهجَّرتم شبابه وقوَّضتم أجمل تجربة تعايش وطني إسلامي في العراق… أما في سورية فقد جعلتم شعبها حطباً في محارق توسعكم وصولاً إلى اليمن حيث افتعلتم حرباً أودت به إلى الهلاك… فعن أي حُسن جوار تتحدثون؟!

حين يقول رئيس الجمهورية الإيرانية السابق محمد خاتمي إنه لا يتوقع استمرار النظام الحالي حتى الانتخابات النيابية المقبلة بعد عشرة أشهر، بسبب الوضع الداخلي، فإنه بذلك يعبر عن حقيقة وليس خيالاً أو أوهاماً نتيجة معارضته للسلطة الحالية، وعلى هذا الأساس أيضا يمكن لنا كخليجيين، بوصفنا الجيران الأقرب إلى إيران، أن نتحدث بصراحة، ومكاشفة قادتها بكل ما نشعر به ونتوجس منه.

المرشد السيد علي خامنئي
أنا مواطن خليجي ممن أيدوا ثورتكم في عام 1979 باعتبارها ثورة شعب على نظام ظالم، أو هكذا صوَّر الإيرانيون الأمر للعالم، ورأينا فيها بداية جديدة يمكن البناء عليها استنادا إلى الشعارات التي أطلقتموها عن الأخوة الإسلامية، وحسن الجوار، ولم يكن لكل من في المنطقة، وقتذاك، أي شك أن ثمة علاقة جيدة مبنية على السلام والاستقرار ستكون بيننا، لكن المفاجأة الأولى جاءت من دستور دولتكم بتضمينه مبدأ الدولة الأممية الإسلامية، والتي تبدأ من المرحلة الخضراء وتعني احتلال دول الخليج العربية بداية، تحت عنوان أممية ولاية الفقيه، وهو ما درج على تسميته “تصدير الثورة”.
ثانيها, كانت من خلال مذهبة الدولة تحت شعار المذهب الواحد لها، لكن ربما يكون ذلك شأنا داخليا لا علاقة لأحد به، إنما حين يتحول إلى إثارة فتن مذهبية في العالمين العربي والإسلامي، وحين تصبح البحرين والمنطقة الشرقية والعراق، من وجهة نظركم مناطق محتلة، وفقا للنظرة المذهبية التي انطلقتم منها، عندها لا بد أن نتوقف طويلا أيضا عند هذا الأمر.
قبل ثورة الإمام الخميني، لم يكن في العالم الإسلامي أي تفريق بين سني وشيعي، بل هذه مذاهب تَعبُّّد لا تخرج عن هذا الإطار، ولو كانت هذه النظرة موجودة لدى المسلمين لكانوا استغلوها في الموقف من نظام حكم الشاه الشيعي، وبنوا عليها عدائية كبيرة، غير أن مفهوم الوحدة الإسلامية القائم على الفطرة في التنوع والتسامح التي رسخها الإسلام، كانت أقوى من تلك التناقضات الثانوية، بل الترهات المؤدية إلى فساد المجتمعات.
الصدمة الثالثة بدأت مع قرع طبول الحرب عبر عمليات إرهابية ضد الآمنين الأبرياء في العراق مهَّدت لحرب ضروس استمرت ثماني سنوات، بلغت حصيلة ضحاياها أربعة ملايين بين قتيل وجريح ومعوق من الشعبين، ومثلهم نازحون ومهجرون عدا الخسائر المالية المباشرة التي قدّرت بـ600 مليار دولار.
يومها خلع نظامكم الأقنعة كافة حين استغل تلك الحرب للمزيد من الإرهاب في المنطقة، سواء أكان في الكويت أم في المملكة العربية السعودية، لا سيما في محيط بيت الله العتيق والتفجيرات التي طالت الحجيج، وإطلاق الميليشيات المذهبية في العالم العربي تحت مسمى”أحزاب الله” التي هي أبعد ما تكون عن هذه التسمية، لأنها ولغت بدماء المسلمين والأبرياء في المنطقة والعالم.
في تلك المرحلة كنتم السبب في استدراج القوات الأجنبية إلى المنطقة، وحربكم التي لم ينتصر فيها أحد، لا أنتم ولا عراق صدام حسين، وقد تسببت في دفع صدام لغزو الكويت هربا من أزمته الداخلية، فيما أنتم لجأتم إلى التلويح باحتلال البحرين، واستمرار مشروعكم التوسعي القائم على فرضية واهية وهي تفوق العرق الفارسي على الآخرين والعودة إلى مجد الامبراطورية التي أسقطها نور الإسلام حين دخل بلاد فارس.

السيد المرشد
مصطلح المرشد أساسه الرشد في التوجيه والمنطق والموقف والنظرة الحكيمة إلى الأمور، ويقوم على إفشاء السلام بين الأمم، وليس إشاعة الفرقة والحرب، وهنا ربما عليكم العودة إلى دستوركم الذي يتحدث في مواد عدة عن هذا الأمر، خصوصا ما يسمى المبادئ العامة فيه، لكن للأسف ما واجهته المنطقة طوال أربعة عقود من سلوك قادتكم، سواء أكان في عهد الإمام الخميني أم في عهدكم، لم يخرج عن إثارة الفتن والسعي إلى الحروب، وكأنكم تنفذون تلك الترهات التي أطلقها رئيس الجمهورية السابق محمود أحمدي نجاد عن ضرورة شيوع المظالم والمفاسد والحروب من أجل التسريع بظهور المهدي المنتظر، وكلنا في العالم الإسلامي نعرف، شيعة قبل السُّنة، أن ظهور المهدي المنتظر لن يكون بهذا الشكل إنما هو وعد الله للمسلمين كخلاص لهم حين تحين الساعة.
في السنوات الأربعين الماضية امتدت أيديكم إلى لبنان حين ولغتم بدم أبنائه، هذا البلد الجميل الذي أصبح اليوم أشبه بالخرابة، وتسببتم بتهجير نحو أربعة ملايين من أبنائه إلى الخارج، وأحلتم هذا البلد الذي كان رئة يتنفس منها العالم العربي، بل العالم الثالث حضارة وحرية، مزرعة بوليسية، تسودها شريعة الغاب التي يستفيد منها حسن نصرالله وعصابته المسماة “حزب الله”، أستغفر الله أن يكون له أحزاب.
مددتم يدكم على العراق ورحتم تعبثون به، حتى قوضتم أجمل تجربة تعايش وطني إسلامي، وأطلقتم وحوش الميليشيات المتعطشة للدماء، وساهمتم بتأسيس”داعش”، بل أفسحتم له المجال كي يستولي على مساحات شاسعة من العراق ويؤسس لصراع مذهبي لن تخمد أواره ربما بعد مئة سنة.
ثم ذهبتم إلى سورية حيث زعمتم الدفاع عن شعبها الذي حوَّلتموه حطبا لحرب توسعكم، تحت شعار الوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، فيما في اليمن قفزتم على مطالب الشعب وصادرتم عبر حفيد سيف بن ذي يزن الحوثي الإرادة الحرة وافتعلتم حربا مستمرة منذ أربع سنوات طمعا منكم في الوصول إلى شبه الجزيرة العربية والسيطرة على الأماكن الإسلامية لإضفاء الشرعية الدينية على مشروعكم الفارسي، غير أن الحرب المستمرة منذ أربع سنوات ونيف، ورغم كل صواريخكم التي يقصف بها الحوثي المملكة العربية السعودية يتهاوى مشروعكم وتندحرون أمام الجيش والمقاومة اليمنية.

السيد المرشد
تطول قائمة الصدمات والمفاجآت التي جعلتنا نتخذ الموقف المعادي من هذا السلوك التدميري الذي سرتم عليه طوال العقود الماضية، علما أن الله جل جلاله يقول في كتابه العزيز:”قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ”(آل عمران:64).
إذا كان العزيز الجبار دعانا إلى أن نأتي بكلمة سواء إلى أهل الكتاب، أليس الأولى أن تكون كلمة السواء هذه بين المسلمين أنفسهم، أم أن شعار إسلامية الدولة لديكم ينفصل عن الواقع عندما يتعلق الأمر بطموحات أشخاص تتحكم بهم جاهلية العصور الظلامية وتحركهم فكرة التوسع والسيطرة والهيمنة؟
في العقود الأربعة الماضية خسرت المنطقة بسبب الحروب التي تسببتم بها، واستدراجكم للعقوبات على شعبكم، والإرهاب الذي رعيتموه نحو ثلاثة تريليونات دولار، ألم يكن من الأفضل توفير كل هذا من أجل رفاه وسعادة شعوبها، خصوصا شعبكم الذي يعيش نحو 56 في المئة منه حاليا تحت خط الفقر، ألا تتصورون أن أي حرب مقبلة، مهما كانت حدتها ستؤدي إلى انهيار كامل في البنى التحتية في بلادكم وموجة تهجير مليونية من شعبكم باتجاه الدول المجاورة، ولن تنتصروا في الحرب، لأن العالم كله ضدكم؟

السيد خامنئي
هناك قمة إسلامية في مكة المكرمة بعد أيام ألا ترونها مناسبة كي تتخلوا عن كل العنجهية وتأتوا إلى إخوانكم المسلمين متخلين فيها عن كل ترهات الحرب، وتحفظوا شعبكم وشعوب المنطقة… أليست هذه كلمة سواء بيننا وبينكم؟
إنها مناسبة جد مهمة في هذا الشهر الفضيل -الذي تكون فيه إثارة البغضاء والفتن أشد حرمة- أن تقرنوا القول بالفعل في ما أدمنتم على التصريح في شأنه وهو حسن الجوار، والأخوة الإسلامية، والسعي إلى التنمية المشتركة، من خلال بيان واضح للقمة الإسلامية تتخلون فيه، فعلاً لا قولاً، عن عصابات الإرهاب، وحلها، وعدم التدخل بشؤون الدول، أليس جوار بيت الله الحرام هو المكان الصحيح لإعلانكم هذا إذا كنتم تريدون فعلاً الجوار الحسن؟
والسلام ختام.