من تاريخ عدن

الثلاثاء - 28 مايو 2019 - الساعة 11:16 م

عدن تايم / خاص

لعبت مطاعم عدن دورآ مهمآ في حياة سكان البلاد ، كانت هناك مطاعم تاريخية قد عرفها الناس وكانت لهذه المطاعم تقاليد راسخة لا تتغير ، حافظت بعض هذه المطاعم على تقليد عريق بالنسبة إلى نوع الأكل أو حتى السعر ـ والتقيد بنوع خاص من الطعام ،

كانت هذه المطاعم لها مكانة خاصة حتى مواقع هذه المطاعم كانت مميزة ويعرفها الجميع ، هذا النظام ليس متواجد في عدن بل في العواصم العربية والغربية.

اليوم شاهدت في القناة التركية TRT برنامج عن المطاعم التركية الشهيرة ، وذكروا إن المطعم لا يورث إلى ابن صاحب المطعم بل يورث إلى مساعده في المطعم الذي يعرف سر المهنة - حاجة غريبة وقمة في الإنسانية و الحضارة . تلعب هذه المطاعم دورآ مهما بل وتصبح جزء من التاريخ ، ومن حضارة المدن الكبيرة تجد المطعم يلعب دورآ هامآ في تعريف مستوى العاصمة أو المدينة ، وبعض هذه المطاعم الشعبية يمتد عمرها إلى 100 سنه ، هذه المطاعم لم تغير مواقعها أو حتى مستوى الأثاث فيها حتى تحافظ على الكيان القديم والسمعة التاريخية ، وهذا مما جعل لهذه المطاعم الشهرة وتصبح جزء من التراث الوطني وليس مجرد مطعم يبيع الطعام . قالت الحجة فطوم أصبر يا محمد با أجيب لك عواف سمبوسه وأعمر ماي فرست بوري.


يا حجة فطوم كانت المطاعم الشعبية التاريخية المشهورة في عدن – مطعم بالو في بداية شارع الميدان ، كان متخصص فقط ببيع الكباب ، صاحب هذا المطعم هندي عدني قديم وقد مات هذا الرجل منذ مدة طويلة فشغل المطعم مساعديه . عجينة الكباب تتم وتُحظر في بيت صاحب المطعم ولهذا كسب هذه الشهرة التاريخية العظيمة ، كانت الناس تتسأل عن سر كباب بالو ، وكنت أيضآ أتسأل عن سر هذا الكباب المميز .

في أحد الليالي خطرت لي فكرة وهو أني آخد عشاء كباب إلى جدتي المرحومة كلثوم ، كانت جدتي أعظم أم تطبخ الطعام . تذوقت جدتي الكباب وأعطتني السر في كباب بالو ، قالت لي ضاحكة يا محمد في بيت صاحب المطعم الحريم يمزجوا اللحم المفروم حق الكباب ب" الخل " ويُترك مدة طويلة من الصباح حتى المساء ، ثم يضيفوا بقية البهارات مع زيادة في القُرنفل ، والخل يعطي هذه النكهة اللذيذة للكباب ، وبكره يا ابني سأعمل لك كباب أحسن من كباب بالو ، وفعلآ عملت جدتي كباب أحسن من كباب بالو .. المسألة والسر في كباب بالو .. هو الخل .


يا حجة فطوم .. يقع "مطعم الطاؤوس" في الزعفران ويملكه العدني اليافعي العريق العم صالح حاجب يرحمه الله ، الذي سكن في حارتنا - حارة القاضي وكان من أعيان الحارة ، أشتهر المطعم بتقديم "الزُربيان" بصفة خاصة وبقية الأكل بصفة عامة مميزة ، كانت له شهرة عظيمة في عدن ، والقليل من يعرف سر مطعم الطاؤوس ، كان الطعام لا يطبخ في المطعم وخاصة الزُربيان المشهور، كان الطعام يُطبخ في بيت صالح حاجب بطريقة خاصة لهذا كان الطعام مميز . أيضآ في الزعفران "مطعم جُمعان" العدني الحضرمي ، كان مطعم جُمعان يبيع "الصياديه" ، ويفتح في الظهر فقط لوجبة الغذاء ، وحتى السعر محدد ودائم .. شلن ونصف ، صحن صياديه .. وصله صيد و رز – واحد قلص "بان هيس" ماء بارد . قالت الحجة فطوم كان العم جُمعان رجل شديد التدين فهو يصلي الفجر ويذهب إلى سوق الصيد – أي السمك باكرآ ويشتري أحسن الصيد للمطعم ، كانوا يا محمد رجال نُضاف أتقياء يحبوا مهنتهم ويخلصوا لها.

يا حجة فطوم ويأتي المطعم الثالث ، "مطعم صالحو" يملكه هذا الرجل الصومالي القديم ، ولا أحد يعرف متى جاء هذا الرجل إلى عدن ، منذ طفولتنا ونحن نراه ونأكل في مطعمه ، كان المطعم في مدخل حافة الشريف وأمام منزل فنان عدن التاريخي ابن حافة القاضي – الفنان أحمد قاسم ، كان مطعم متخصص ظهرآ فقط - مرق مع اللحم الصومالي اللذيذ ، نصف حبه ليم ، قرص روتي أبو صندوق ، قلص ماء ب 2 شلن سعر محدد ، وفي المساء مرق و كراعين ، نصف حبه ليم ، قرص روتي أبو صندق ، قلص ماء بارد – السعر شلن ونصف ، ولا يوجد أي نوع آخر من الطعام نوع مميز ومحدد ، كانت البيوت في حافة القاضي ترسل الأطفال للمطعم لشراء اللحم والمرق من مطعم صالحو المميز .

قالت الحجة فطوم والله يا محمد ما قد أكلت لحم أو مرق زي حق صالحو ، كان صالحو يشرف على الطباخين والمطعم ، المقاعد بسيطة وقديمة ولكن كانت النظافة متواجدة دومآ .


يا حجة فطوم .. في بداية الخمسينيات بدأت النهضة الضخمة الإقتصادية والعمرانية في عدن ، وتدفقت الأموال والإستثمارات إلى بلادنا ، وبدأت المطاعم الحديثة الراقية ، مثل مطعم التركي ، مطعم قصر الجزيرة ، مطعم البحر الأحمر ، مطعم روما ، مطعم دي لوكس ، مطعم بيركلي ، مطعم بلو باى ، المطعم الصيني ، مطعم باجودا .

يا حجة فطوم في الخمسينيات بدأ اللبنانيين والسوريين في إقامة المطاعم الأنيقة في منطقة خورمكسر الساحرة ، مثل مطعم جولدن شيكن ، مطعم بالم بيتش ، أربيان نايتس والشموع . ثم أقاموا أفخم فندق .. جوهرة الفنادق .. فندق روك هوتيل – فندق الصخرة . ضحكت الحجة فطوم وقالت أيام جميلة من مطاعم أهل الشام بدئنا نعرف التبوله ، الحمص ، بابا غنوج ، المُتبل والشوارما ، وكمان يا محمد الدجاج المشوي بالشواية - الدجاج الذي "يتقلعب" – أي يتدحرج داخل الشواية ، كان كثير يعجبني التبوله والشوارما .

يا حجة فطوم كانت مطاعم عدن لها تاريخ طويل ، و بلدية عدن تراقب هذه المطاعم ليل نهار حفاضآ على صحة الناس .

* محمد أحمد البيضاني كاتب عدني ومؤرخ سياسي كوبنهاجن